تعديل

تصرف كما لو كانت أفعالك ستغير العالم – فهي كذلك بالفعل

الجمعة، 15 نوفمبر 2013

نجم الأدمغة الإلكترونية


هذا العنوان مقتبس من مقالة مترجمة نشرت في شهر ديسمبر 1985 في مجلة المختار
العربية عن ذات الشخصية.
تعتمد نظرية النجاح في دنيا الأعمال على المجيء بفكرة عبقرية لامعة،
لم يسبقك إليها أحد من قبلك، ثم تضع خطة عمل محكمة قابلة
للتحقيق، ثم تبحث عن الممولين وتضع نسبة تقسيم عادلة للأرباح
والخسائر، ثم تتوكل على الله وتجتهد.
هذه نظرية أكاديمية بحتة، وهي وإن تحققت في كثير من الأحيان،
لكن لكل نظرية شواذها، واليوم نتناول هذا الأمر من خلال قصة
الفرنسي فيليب كان المولود في 16 مارس 1952 ، العبقري السابق
لأوانه الذي أبدع فأشهر شركة بورلالالالاند لبرامج الحواسيب، تلك الشركة التي خرج الرعيل الأول من
المبرمجين العرب يتعلمون على برامجها في البرمجة بلغتي تيربو باسكال وتيربو سي ودلفي ومنها إلى
برامج إدارة قواعد البيانات بارادوكس وغيرها الكثير.
حصل فيليب على شهادة الدكتوراة في الرياضيات من الأكاديمية الفرنسية للعلوم، وعمل بالتدريس لفترة
قصيرة بعد التخرج، ثم تعلم لغة البرمجة باسكال مباشرة على يد مخترعها في مدينة زيورخ. دخل فيليب
معترك العمل في مجال تقنية المعلومات قبل نشأتها، في منتصف السبعينيات من القرن المنصرم، حين عمل
كمبرمج في فرنسا على جهاز حمل اسم ميكرال، وهو ما يصطلح المؤرخون على أنه كان من إرهاصات
نشأة المايكرو كمبيوتر أو الكمبيوتر الشخصي الصغير.
يطلق على هذا الجهاز العملاق الذي يشغل غرف عديدة ويحتاج لطاقة كهربية § (كان لفظ كمبيوتر وقتها
تكفي مدينة صغيرة، ولمحطات تبريد خاصة).
سافر فيليب إلى الولايات المتحدة الأمريكية في زيارة أراد منها العمل هناك، فكانت أول وظيفة له في معامل
شركة هيولت باكرد (اتش بي اليوم) لكن هذه الوظيفة استمرت ثلاثة أيام فقط، بعد أن اكتشفت الشركة
أنه قدم للبلاد بفيزا زيارة وبالتالي لا تستطيع تعيينه بدوام كامل، لكن يمكنها الاستعانة به كخبير فني، وهو
ما وافق هوى فيليب، فأسس شركة استشارات فنية أسماها ماركت إن تايم، وهي حملت الحروف الثلاثة
الأول ام آي تي، لتتشابه مع معهد ماساتوتش التقني الأشهر على مستوى العالم.
الطريف في الأمر أن مقابلة التوظيف هذه اعتمدت على أن فيليب ضليع في مجال ترتيب المعلومات في
وهي كذبة استدركها فيليب بقضاء ليال طوال يذاكر فيها بجهد هذه التقنية الجديدة Queuing صفوف
حتى صار خبيراً فيها فعلاً – فيليب الشرير!
بالطبع لم ينل اسم شركته رضا المسئولين في المعهد الشهير،
الذين أرسلوا رسالة شديدة اللهجة للشركة الناشئة تطلب تغيير
الاسم وإلا. تصادف في ذات الوقت أن كان فيليب انتهى من
مشروع طلبته منه شركة أيرلندية حملت اسم بورلاند، نشأت
في عام 1980 ثم أفلست تاركة ديون عميقة لم تسددها له،
فاشتراها فيليب في 1983 مقابل أن ينسى ديونها التي لم تسددها
له، وأن يحصل على اسمها التجاري وأصولها وممتلكاتها. بذلك أصبحت شركته تحمل اسم بورلاند رسميًا.
كان فيليب يرى أن الجميع يركز على تطبيقات المحاسبة والكتابة، تاركين مجال البرمجة خاليًا، لذا أراد أن
يغطيه بلغة البرمجة باسكال على حواسيب آي بي ام الشهيرة، وهو أراد تطبيقاً يحتاج مساحة ذاكرة صغيرة
للعمل، ويعتمد على واجهة تطبيق أنيقة، والأهم من كل هذا: سرعة تشغيل كبيرة.
كانت هذه الفكرة صعبة –بل مستحيلة- التطبيق وقتها، لكن فيليب فعلها في نوفمبر 1983 عندما أطلق تيربو
باسكال بمجهود أربعة مبرمجين فقط. كعادته، سهر فيليب ليلاً طويلاً ليضع تصميم أول إعلان للغة
البرمجة تيربو باسكال، وعمد لخدعة أخرى، حينما دعا مسئول بيع الإعلانات في مجلة تهتم بشئون الحواسيب،
وتظاهر بأن لديه عروض إعلانات من مجلات أخرى، فما كان من البائع الذكي إلا أن عرض على فيليب
نشر الإعلان أولاً ثم قبض ثمنه لاحقاً. هذه الفكرة أثبتت روعتها ونجاحها فيما بعد.
أراد فيليب كذلك عقد مؤتمر صحفي لبرنامجه الجديد تزامناً مع معرض كومدكس الأمريكي، لكنه
كان فقير المال، لذا عمد لفكرة أذكى، أعلن عن مؤتمره الصحفي في مطعم ماكدونالدز للوجبات السريعة،
وهو أمر لم تستهجنه الصحافة، وحضره صحفي في مجلة بايت الأمريكية، والذي عاد ليكتب في ثلاثة أعداد
متتالية عن لغة البرمجة الساحرة الرائعة...
( كما النار في الهشيم، أقبل الناس بجنون على لغة البرمجة الجديدة، والتي كانت تباع بسعر زهيد ( 49.99
دولار في حين اللغات المماثلة كانت تباع بآلاف ومئات الدولارات، خلال سنتين كانت بورلاند قد باعت 300
ألف نسخة من تيربو باسكال، وتحولت من شركة يعمل بها أربعة أفراد إلى شركة لديها مئة موظف
لم تصفو الدنيا للعبقري طويلاً، فرغم نجاحاته في عالم أعمال
البرمجة، ورغم صراعه مع عمالقة البرمجيات مثل لوتس
ومايكروسوفت، لكن فيليب تلقى قرار الاستغناء عن خدماته بعد 12
سنة قضاها مديرًا، في عام 1994 بقرار من مجلس المساهمين، بعد
أن بدأت شركته في البعد عن عزف نغمة الأرباح وبدأت تتكبد
الخسائر الجسام، وكان لقرارات فشلت (مثل شراء شركة أشتون
تايت وبرنامجها الشهير دي بيز برو مقابل 439 مليون دولار استنزف سيولة الشركة، ولتأخر بورلاند في
طرح نسخة من برنامج قاعدة البيانات هذه تعمل على نظام ويندوز، كذلك بناء مبنى للشركة تكلف مئة
مليون دولار وغيرها) الفضل في الاستغناء عنه.
الفشل لالالالا ينال أبدًًدًًدا من معادن الرجال الناجحين، لذا استمر فيليب في دربه وأسس شركة أخرى سماها ستار
للبرمجيات المتخصصة في التطبيقات اللاسلكية لنقل وتبادل المعلومات. حينما وضعت StarFish فيش
زوجته ابنتهما صوفي، أراد الزوجان تبادل صور الجميلة الصغيرة مع بقية العائلة عبر الهاتف لا الكمبيوتر،
وميلاد MMS وهذه كانت لحظة ميلاد فكرة خدمة تبادل الصور عبر الهواتف النقالة في هيئة ام ام اس
شركته الثالثة، إذ كان فيليب يحمل الكاميرا الرقمية في يد، والهاتف النقال في اليد الأخرى، ومثل هذه
المواقف لا تمر على عقلية لامعة مثله، فالسؤال المنطقي الطبيعي سيكون لماذا لا ندمج الآلتين معًا؟
في يونيو 1997 كان فيليب قد انتهى من النموذج التجريبي للهاتف النقال ذي الكاميرا الرقمية، ليبيع شركة
. ستار فيش بعد ثلاث سنوات ونصف من إنشائها بمبلغ 253 مليون دولار لشركة موتورولا في عام 1998
احتفظ فيليب بموقعه كمدير لشركة ستار فيش، وقام بعدها بتأسيس شركتين جديدتين: لايت سيرف
. وأوبن جريد، ثم أتبعهم بشركته الرابعة والحالية ” فولباور“ التي أسسها مع زوجته في عام 2003
الجدير بالذكر أن تطبيقات التقاط الصور الرقمية تعتمد على خوارزميات لضغط هذه الصور لتشغل حجماً
أقل، هذه الخوارزميات كانت محل دراسة فيليب في أطروحته، كما وتعتمد شركة كوداك في كاميراتها
الرقمية على برامج صممتها لها شركة فيليب.
لا تظن أن فيليب كان ناجحًا على الدوام، فهو يعترف بارتكابه أخطاء إدارية كثيرة، مثل مشروعه لتصميم
مساعد رقمي شخصي يمكن أن ترتديه، ثم تضعه في مقبس توصيل مع حاسوبك النقال لتحديث البيانات ثم
تعود لترتديه، وخطأ فيليب –كما يخبرنا بنفسه- أنه باع حق استغلال اختراعه هذا لشركة لم تستطيع
تسويقه على الشكل المطلوب، ما أدى لأن تسبقه شركة بالم بمساعدها الرقمي بالم.
لليوم، لازال فيليب من مستخدمي برامج شركته السابقة بورلاند، ولا زال يذكرها بكل خير، ولازال يدعمها.
قد لا تكون بورلاند لاقت مصيراً أفضل من شركة نتسكيب، لكنها تبقى ضمن ضحايا مايكروسوفت، على أنها
تثابر للخروج من عثرتها

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More